.:: Mazen Abboud's Blog ::.

Saturday, August 22, 2009

أخبار "كركول" و"كاجو" تمزج الحقيقة بالخيال والواقع بالغيب


الأحد 23 آب 2009 - السنة 77 - العدد 23793

جريدة النهار 2009

اخبار "كركول" و"كاجو" تمزج الحقيقة بالخيال والواقع بالغيبعالم وهمي متخيل يتميز عن عالمنا بالخيال البريء والبساطة


لكل محلة انبياء "دجالون" او فكاهيون، اشخاص ينخطفون الى عوالم هستيرية كي يعودوا الينا بقصص تلون حياتنا بالمرح.







"كاجو" و"حالوصا" رجلان يتسابقان على النبوة. ولكل منهما اسلوبه ومزاجه في ترجمة افكاره في قراءة الغيب والتخاطب مع انبياء "العهد القديم" والكلام على آخر الازمنة. اما نحن معشر الاولاد فكنا نتتبع آخر اخبارهما ونسعى لرؤيتهما بغية التعرف عن كثب على اسرارهما ومآثرهما وقصصهما.
اشتهر "كوكو" الملقب بـ "كاجو" بضيافته للغرباء من اصدقائه كـ "كركول" مثلا الذي لم يواف الى محلتنا في ليلة ذلك الصيف الا بناء على دعوة رفيقه "كاجو". الا انّ "كركول"، ويا للاسف، مات لكثرة ما اكل وضحك. و مازال "النبيل" صاحب المطعم الكبير، يتذكر كيف انبرى "كاجو" يطلب كل اصناف المآكل، قائلا لطاقم الخدمة: "هات حمّص، هات بيض بقاورما"، هات غمام، هات كراعين... اوآه منكم!! كم انّ خدمتكم بطيئة!!". واكل الرجلان مليئا وذهبا ليناما الى ان استشهد الضيف على كرسي الحمام الجديد، حتى ذاع في المحل القول "اجلب ضيفك لـ"كاجو" كي يأكل ويشرب ويلهو، ثمّ انّ "ابو فارس" ملتزم دفن الموتى يقله الى دارته الابدية". الا انّ ضيف "كاجو" "كركول" كان هو الاخر على شاكلته من طلبة الاستمتاع بالطعام الندي في ظل الطبيعة الخلابة والمناخ المناسب. ومن ثمّ فان هدف تلك الزيارة بحسب "كركول" قبيل رقاده كان تذوّق انواع المآكل المحلية الدسمة كلها بعيدا عن الرقابة المركزية. وكان ان احتجز "الامباشي" للاسف "كاجو" اللذيذ في زنزانة "الكركون" صبيحة ذلك اليوم بناء على اشارة المدعي العام، الى حين تشريح جثة الضيف، وثبت ان ميتة "كركول" كانت طبيعية، اي جراء نوبة قلبية. وبكى "كاجو" نفسه وضيفه، فهو لم يتعود المكوث في السجون حيث الطعام الرديء، وقد عرف عنه انّه ترك جامعة الطب في اوروبا في سنته الخامسة كي يعود الى دارته فيستمتع بأطعمة امه من "ملوخية" و"فريكة" و"كبة بدهن". ولكم سمع يقول: "يا ماما، اركض وانظر الى "كوكو"... وينكم يا عالم، كيف تقبلون ان يرمى بي ها هنا... ويحي عليك يا "كركول" يا زميل المأكل، كيف اجد مثلك بعد اليوم!!!". وخرج "كاجو"، فقال لمستقبليه من الوفود المحلية انّ ما يثلج قلبه هو انّ "كركول" مات راضيا على كرسي حمامه بعدما أكل ما كان اشتهاه من اطايب حرم منها في منزله.
"كوكو"ومغامراته
لو لم يغرم "كوكو" النعنوع، منذ صغره بـ"الكاجو"، لما كان استحق لقبه الذي يطغى على اسمه الذي لا يعود يظهر الا في لوائح الشطب ازمنة الانتخابات. اما آلية منح الالقاب عندنا، فكانت محصورة بمجلس المستهزئين المحلي الاعلى والمؤلف من كبار سادة القوم. وكان ذلك المجلس يعرف بوقاره، حيث انه ما كان يعطي الالقاب الا لمستحقيها حصرا. لذا، فانّ "كوكو" المحب كان ناضل كثيرا قبل ان يستأهل شرف لقب ذلك النوع النادر واللذيذ من "البزورات"، الكاجو اللذيذ المذاق والمرتفع الثمن. ثمّ انّه كان لـ "كوكو" عدد كبير من المعجبين في محلتنا يستشيرونه في كل امورهم العائلية والطبية والاجتماعية وحتى الدينية. فـ "بربور" مثلا يقول أنه قبيل اقترانه بـ "كريمة"، وابان ليلة دخلتها، استشار الدكتور "كاجو" حول كيفية اتمام واجباته الزوجية. فأبلغه "كوكو" أنّ عليه ان يعرّي العروس وان يقيس مقدار "شبريّن" تحت "ذكرتها" للعثور على هدفه المنشود... هذا ومازال "بربور" يفخر لغاية هذا التاريخ بنصائح صاحبنا "كاجو" وحكمته وبساطته في التعبير والشرح. كما كان لـ "كاجو" اهتمامه بالماورائيات، وهو ناتج من ثقافته الطبية. اهتمام دفعه الى بناء علاقة وطيدة بـ "فالوصا" المتنبي، الذي اشتهر بغنى ثقافته الدينية، اذ انه انتمى الى عائلة من نسل معروف.
"فلوصا"
يوم ولد "فلوصا" نذره والده "يعقوب" لـ"يشوع بن نون". كيف لا والوالد كان "قبضاياً" ابن "قبضاي"، وكان يعشق قدرات "بن نون" القتالية والنبوية الفائقة. فـ "يشوع" اشتهر أنه اوقف الشمس في بحر السماء مرة. وقد اشتهى يعقوب ان يكون "فلوصا" ولده يشوعيا (على غرار يشوع).ولمّا تزوج "فلوصا" امرأته "نعوما" قال فيهما "النوس" شاعر محلتنا الشعبي ما يأتي:"قبوط تزوج قبوطة يا عيني ملّا زوج قبابيط بكرا بيطلع شي قبوط بيفرط حمّص بالشبّيط".كما خشي "ابو النسم" جارنا على ثنائي "آل حلوصا" ان يضيعا في السهل المزروع حمصاً قرب منزليهما، وقد ضاعا مرة لانهما كانا قصيرين للغاية. ولطالما افتخرت "نعوما" امرأة "حلوصا" ببكوريتها ليلة الدخلة بشهادة حماتها "مريم" و"حميدة" جارتها. هذا وكانت السيدتان المصونتان وافتا ليلة دخلة "نعوما"، فراحتا تنظران الانشطة الضرورية من ثقب باب غرفة النوم وفق ما كتب.وبارك الله الرجل، فانجب "حلوصا" بنين وبنات على قامة والديهما. ولقد كان "كاجو" يعنى بالعائلة عنايته بنفسه، حتى انّ "نعوما" جلبت له مرة ابنها المريض وكان يعاني اوجاعاً في اعضائه كلها، فقال لها "كاجو" بثقة واعتزاز "انّ كلفة شفاء الولد اكبر بكثير من صنعه يا حرمة... فتفضلي الى سريري كي نقيم نسلا لصاحبنا "فلوصا"، فنهرته... وارتدع.
"فلوصا" و"كاجو" والظهور
هذا ومازال اهل المحلة يتذكرون كيف ان "النبي موسى" بحسب الثنائي "فلوصا" و"كاجو" قد ظهر عليهما، مع كل ما يستتبع الظهور من رائحة بخور وتعثر اقلاع السيارة. والحقيقة انّ حريقاً كان نشب في ليلة صيفية في تلك المنطقة من الصنوبر الفوقاني، فأفضى الى نور ورائحة زكية جراء احتراق الصنوبر. مشهدية نادرة فسّرها "فلوصا" و"كاجو" من خلال الكتاب المقدس. هذا ومازلت اذكر تلك الحادثة واضحك... كما اني لن انسى كيف تمّ استنفار خورية الكاثوليك ودق الاجراس في تلك الليلة. ومما زاد في ايمان "رجليّ الله" وقوعهما ارضا ليلة صعودهما لاكتشاف عن كثب حقيقة الظهور، وذلك على غرار وقوع انبياء الله في العهد القديم في حضور روح الله. الا انّ معلوماتي افادت انّ وقوع "فالوصا" و"كاجو" كان بسبب خوفهما وارتباكهما، كما وعورة الطريق. وقد اغمي على الرجلين في تلك الليلة، ولم يستفيقا الا بعد مرور كلب "نباح" الموقر الذي فرّغ عليهما حمولته من السوائل. هذا وقد تلعثمت في تلك الليلة ايضا سيارة "كاجو" الغندورة، من ماركة "اوستن"، فامتنعت عن الاقلاع بعد كل ما جرى. فكأنّ المطلوب كان استبقاءهما في الموقع. وكان ان غادر الثنائي "الماكينة" في تلك الليلة، وركعا مستغيثين بالخالق الى ان أقلعت الـ "اوستين" في النهاية. وكان منزل الكاهن مقصدهما، الا انّ الاخير لم يستجب لهما في فجر ذلك اليوم، فكان ان خاصماه لغاية هذا التاريخ.
احلام "كاجو" الخرافية
وأروع ما كنا نستمتع به نحن معشر الصبيان، قصص "كاجو" عن احلامه الخرافية لـ "فالوصا"، حيث اننا كنا نرصدهما غروب كل يوم. فنجتمع من حولهما كما الفراخ من حول الدجاجة. ولقد كان "كاجو" يقيم الاموات دائماً، كما في افلام الرعب، كي تخيفه او تطلب عبره من اهل المحلة أموراً غير معقولة. وكانت الاحلام تنهمر عادة ليليا على "كاجو" بعد كل عشاء عرمرمي وفق انماط الاطباق التي التهمها. وكان يتكلم عادة على نهاية العالم وعلى مجيء مخلوقات فضائية مع اطباقها يدعي أنه قد ادركها قرب الجبل. كما انه مرة نقل تعليمات من "يشوع بن نون" الى رئيس البلدية، واصرّ عليه بضرورة انفاذها.هذا وقد ابدى "فالوصا" اهتماما خاصا بنبؤآت "كاجو" المتعلقة بالكائنات الفضائية، فراح يستعد لكل طارئ ولحماية ارضه. فراح يصنّع طلقات نارية يدوية على طريقته. وفي ليلة بان قمرها بكماله، انفجرالبارود بيد "فالوصا" بعدما ادركه النعاس وقد اساء قياس المعايير اللازمة. فكان ان فقد صاحبنا الاصبعين الاول والثالث من اليد اليمنى، ففترت نبوته وحزن جدا.
عالم آخر
هذا وما زال عالم "حلوصا" و"كاجو" يستهويني ويسحرني، فيجذبني اليه. انه عالم وهمي، وكل شيء في دنيانا استحال وهمياً لكن من طينة اخرى. عالمهما يسوده الخيال البريء والبساطة ورغد العيش. اما عالمنا فغالبيته شياطين ومؤآمرات وحروب ومفاجآت غير سارة تتخللها فسحات نصنعها ببصيرتنا ومحبتنا واحلامنا وطرائقنا في قراءة رسائل الخالق وصنائعه. وانه على ما يبدو، فإن كلاً منا له عالمه. نرى عالمنا من خلال عدستنا التي تعكس حالتنا الروحية. وقوي هو من يستطيع ان يحفظ نفسه نقية حتى اليوم الاخير!!! وقوي هو من يقدر ان يحب وسط الحقد، وان يفرح وسط اليأس!!!
مازن عبود

Labels:

Thursday, July 23, 2009

الخوري والعرق وجليلة العرائس







النهار-جريدة الاحد في 19 تموز 2009-ص.14






بقلم مازن ح. عبود
"تعالي معي من لبنان يا عروس من لبنان... من خدود الاسود من جبال النمور"
نشيد الانشاد اص 4
وفق معايير نشيد الانشاد وضعت "خليلة" لولدها "نباح" دفتر شروط الاقتران بعروس اذا ما ارادوا الزواج وفق مشيئة الله. فهي امرأة تسعى الى الحفاظ على نوعية اولاد العائلة، لما لا وهي قد قدمت من جبال النمور التي انضم الى حزبها لاحقا زوجها واولاده.
هذا وكانت "خليلة" العرائس تقول دوما بأنها لمّا تزوجت بالمرحوم زوجها، سرق القمر من مخدعه. واشارت على ولدها "نباح" قائلة:" اياك ان تتزوج امرأة من غير طينة امك والا فاءعتزل الغرام والنساء". وبالفعل اعتزل ولدها "نباح" النساء والغرام، اذ انه ما وجد لغاية هذا التاريخ امرأة كأمه بالجمال والفهم والطلة والحضور. لم تكن "خليلة" جميلة واقعيا الا انها ارادت ان تكون ذلك، ففرضت نفسها بقوة على ساحة المنزل، وارست معايير للجمال خاصة تتلائم ومزاياها في هذا الاطار. كما انّ المرأة لم تكن فهيمة الا انها كانت تدعي ذلك وتضرب بالرمل لمعرفة المستقبل، وقد ارعبت محيطها بتلك المواصفات الاستثنائية والمخيفة. اما من ناحية الحضور فحدث ولا حرج عن قدراتها الكلامية والدعائية بحيث كانت تثير القلائل حين تشاء فتهزّ المضاجع والبيوت حتى اضحت "ام نباح" مضرب مثل في كل المحلة ونواحيها.
زيجة
اما قصة زواجها بالمرحوم ابن عمها فتلاها علي "العم نقولا غبريل" في صغري، فعلقت في رأسي لهذا اليوم.
وقد ابلغني عمي نقولا ما يلي:" لقد حزنت كثيرا يا " ابا المزن" لما انكسف صديقي "نعوم" اثر عدم التجاوب مع طلبه للاقتران باحدى عذارى محلتنا بداعي عدم ظرافته. وبالفعل لم يكن الرجل بالظريف كثيرا الا انه كان من اصدقاء الطفولة. فما كان من روح الفروسية الا ان استفاقت فيّ، فاءمتطيت صهوة جحشي الاغرش "كركور" الذي كان فتيا وقتها. وامرته ان يقودني الى "زاروب المبلصين" حيث عين النسور. وصلت تلك القرية مع طلوع الفجر، فجلبت معي من هناك ثلاثة فتيات بكارة من احلى البنات تحت طلب الزواج. وقد عمدت الى توزيعهنّ على اصحابي الذين كانوا في عوز للعرائس، نكاية بتلك التي نكست ب"نعوم" ورغبة بتلبية حاجات الطلب المتزايد على العرائس الذي كان قد فاق العرض. مازلت اذكر يا "ابا المزن" كيف وصلت تلك القرية صباح ذلك اليوم من نوار والقيت الصوت :" يا اولاد آدم، ثمة حاجة ماسة الى بناة عائلات، لزوم الزواج في دوما". وكانت خليلة العرائس من نصيب "نعوم"، ابن عمي الذي اشتهر بقدرته الجسدية، ولما لا ف"الاقربون اولى بالمعروف!!!" ولمّا لبيت حاجات نعوم الجنسية، وزّعت سائر الفتيات على "كاسترو" و "شكور" صاحبيّ".
فأجبته : "قل لي يا "عم نقولا" كيف تمكن جحشك الاغر من حمل كل تلك النساء؟"
فردّ علي: " مازلت طفلا وانك حتما لاتفهم بالغرام والحمير... الا فأعلم بأنّ الحمير تستمتع بحمل العذراى فلا تشعر بثقلهنّ ابدا، ثم انّ لما تلعثم "الاغرش" على "الدرجة" على طريق "مار يعقوب" حملتهنّ جميعا مع "كركور" ايضا. الا فاعلم يا صبي بأنّ "من استخف بالرجال فبرأس اللفت يقتل..." كما يقول المثل. ثمّ انصحك يا ولد بعدم مقاطعة عمك نقولا و"المجاكرة" على عادة النساء. اعد تنظيم منطقك كي يتلائم مع تفكيري. انّ منطقكم وقواعدكم انتم جماعة "القلم والورقة" هو مرحلي ويتغير مع الاكتشافات العلمية، اما منطقنا فمبني على التراث المرتكز على الحقيقة المطلقة. انصحك يا "ابا المزن" ان لا تكون من معشر جيل "النيلون" بل من جماعة "القلوب الكبيرة" على شاكلتنا. ثمّ استكمل تلاوة القصة قائلا: " وعمّت الافراح محلتنا في تلك الفترة، وكان كل زيجات عمك نقولا ناجحة والحمد لله. الا انّ الفضل بذلك يعود ايضا الى الخوري جرجس الذي لا يمكن نسيانه مطلقا.
خوري ومشروب
والخوري "جرجس" كان بسيطا وورعا على طريقته، كما كان محدثا في كنيسته ، وعنيدا في ما يعتقده حق. لقد اشتهر خورينا المحبوب باءستعمال العرق كبديل عن النبيذ في القداديس ومراسم الزواج، كما بخفة دمه وافكاره وضروبه الاستثنائية.
فخوري محلتنا وتوابعها، طالما اعتبر مشروبنا الوطني اشرف المشروبات الكحولية، الذي ينتمي ايضا الى عائلة الخمر، بلونه الابيض وطعمه العسلي، ويتلائم كثيرا مع واقع الاعراس والاحتفالات الدينية. ومن ثمّ فانه اكتشف بالفطرة انّ مشروبنا الوطني شكل فاتحة حياة هنيئة للزيجات. الا اني لا اخفي عليك يا "ابا المزن"، انّ خطوات الخوري التقدمية اثارت حساسية مطرانه الذي طلبه الى بيروت، انما حسدا، مستوضحا اسباب خروجه عن القواعد. فكان ان عزى البونا جرجس استبدال النبيذ بالعرق، الى مفاضلة السيد المسيح طعم العرق على النبيذ طالما ان كل تلك المشروبات هي نتاج الكرمة. وابلغ الخوري مطرانه ما يلي: " لقد وافاني السيد في الحلم، وحلّ ضيفا على مائدة الخورية الغنية بالعرق والتبولي. فكان ان قدّم محسوبك العبد الحقير(الخوري جرجس) له يا سيدنا العرق الذي آثره على نبيذ قانا الجليل. فأمرني، وله الحق بوصفه رأس الكنيسة-كما تعلم يا سيدنا، ان استبدل النبيذ العتيق بمشروب لبنان الوطني في القداديس وسائر الاحتفالات الليتورجية المقدسة، وذلك من دون العودة الى الاحبار او البطريرك او المجمع".
ضحك المطران، وحزن في الوقت عينه من اقوال مندوبه الخوري "جرجس". وقد حذره من التمادي في تطوير الممارسات الدينية الخاطئة تحت طائلة الحرمان الكنسي الكبير. الا انّ هذه هي حالة الدنيا فالاساقفة هم تقليديون ولا يحتملون التطور، يا صبي. عاد الخوري الى عرينه غاضبا، فجلب بقايا اللحوم من "ادمون" اللحام بغية دعوة الهررة، مع بعض "الخردق والبارود" لصنع متفجرات. فدعا هررة الحي الى وليمة "الزفر" التي تعود ان يقيمها عند الحاجة، ومن ثم راح يرمي عليهنّ متفجراته، وذلك انتقاما من الزمن واهله الظالمين.
الا انه وبعد كل هذا يتوجب الكلام بموضوعية عن قدس خورينا. فلقد عرفته وطنيا ولبنانيا ووفيا مع اصدقائه الساسة حتى العظم، حتى انه ما كان يحب استقبال من اختلف مع سياسته في كنيسته، كيف لا وهو كان على ثقة بأنّ الله اعطاه الحقيقة المطلقة، بدليل انّ الروح وضع في فيه ما وجب ابلاغه الى زعيمه الروحي يوم طلبه الى بيروت".
ولما سألت العم نقولا حول تدهور علاقة الحبر بمندوبه، قال لي:" لقد اضحى الخوري جرجس خائفا من المطران، لما عاد من المطرانية. الا اننا ما تركناه وحيدا، فقد اجتمع من حوله "خواص اوادم الرعية" لنصرته ونصرة وجهات نظره التقدمية، ما عدا "خليلة" التي تضامنت مع الاسقف نكاية ب"ابي الطفافش" الذي كان يسابقها في اثارة الفتن، معتبرة بأنّ فلسفة الخوري الليتورجية لم تكن بالضرورة نتيجة شعور وطني او رؤيا دينية بل ادمانا على الشراب الابيض الذي نما عليه ذاك الكائن الاسود، الخفيف الظل والسريع البديهة. ولعلّه للمرة الاولى في حياتها، كانت خليلة على حق وفق بعض المحافظين عندنا. وموقف المرأة ذلك، جعل الخوري جرجس يندم على تزويجها بعريسها، فقال لنفسه: " لقد كان الاجدر بك يا خوري "جرجس" ان تقرأ في ذلك العرس انجيل الجنازة عوضا عن انجيل "قانا الجليل" او ان تلغم "ورقة اطلاق حال زوجها" كي لا تحظى باذن الزواج. ثمّ انه ما كان يفترض بك اعطائهما بركتك الرسولية للزواج. الاجدر بك ان تتعلم يا "بونا" من اخطائك فلا تمنح خبز المائدة الى الكلاب" ".
خوري ومطران
وابلغت لاحقا ان قصة الخوري والمطران تفاعلت، حتى انّ "ابا الطفافش"، القابع في منزل يطل على العالم دون ان ينتمي اليه جغرافيا، دعا المحبين الى مجلس تأييد للخوري جرجس.
دعم الخوري كان نابعا من كره صاحبنا للمطران نتيجة عدم تجانس موقف الرجليين في الامور الكنسية والدنيوية. هذا وتعتقد "خليلة" انّ "ابا الطفافش" كان وراء فلسفة استبدال النبيذ بالعرق في كنائس المحلة، اذ انه كان يصّنع العرق البلدي للسوق. وخلال خلوة التأييد القى "ابو الطفافش" خطابا كان في منتهى التقدمية حتى انّ الناس تعجبت من سلوكه، وهو المعروف بتحفظه وتقليديته.
وخطاب الزعيم الاغر تضمن تحريضا على الحبر ودعوة للناس بمقاطعة القداديس التي قد يحضرها امير الكنيسة. كيف لا ونصرة ابن المحلة "الخوري جرجس" ضرورية. ووصلت الامور بالرجل الى اعتبار اصرار المطران على النبيذ ضرب من ضروب التآمر على الشعب والوطن عبر عدم تحليل استعمال مشروبه الوطني في خدمات الكنائس. واعلن "ابو الطفافش" للحضور بأنه سيمتنع عن دعوة الحبر الى مآدبه التي لم تكن بالكثيرة، متهما اياه بالخيانة العظمى، والعمل لمحاور اقليمية تتجر بالنبيذ والعباد. وكان البونا "جرجس" المجروح من حبره، قد انتفخ بفعل ثناء ودعم "ابي الطفافش"، فاستصدر في مجمع المؤيدين عقيدته الجديدة التي ارتكزت على أنّ النعمة تبلغ الكاهن مباشرة من ربه، وذلك من دون وساطة احد. ولعن الخوري "جرجس" كل من لم يؤيده وفي مقدمهم "خليلة" النساء لجحودها له، فلعنته هي بدورها. الا انّ لعنة جليلة كانت اشد من لعنة الكاهن، فحجّمته".
هذا وقد ابلغت بأنّ المطران لم يتخذ اي خطوة تجاه مندوبه الخوري "جرجس"، الا منعه من استعمال العرق لانه يتنافى مع العقيدة وتعاليم الاباء كما منعه من المجاهرة بنظرياته الخاطئة. والتزم الخوري على مضض بأوامر الحبر وذلك نظرا لقوة الامر الواقع ليس الا. ولم يقم الحبر بأي خطوة واقعية تجاه مندوبه، خوفا من ان يزداد سؤا، وعملا بقول الكتاب المقدس: "قصبة مرضوضة لم يكسر، وفتيلا مدخنا لم يطفئ". الا انه لم يغب عن بال الحبر الشيخ ايضا أنّ ثمة من يتاجر ب"جباب" الاكليروس لتمرير مصالحه، فشكا كل ذلك الى ربه طالبا النصح، كيف الذي لا والله هو وحده على معرفة بالنيات.
اخيرا، يا عزيزي القارئ، تعتبر الحياة بستانا يحوي كل انواع البشر والكهنة. الا انّ انماط معيشتنا وممارساتنا تتغير كي تتلائم مع واقع تبدلات الحياة ومتطلباتها. لذا، فاءنّ عقد الزيجات وواقعها قد تغيّر كليا. وقد اضحت اكثر تعقيدا واقل ديمومة نتيجة غياب القناعة والايمان وازدياد المغريات. اعتقد ان عصرنا هو زمن انتفاخ "الانا" حتى انّ غالبية الناس راحت تتحول الى شياطين، وغالبية رجال الدين الى ناس عاديين. فالعالم يقترب من الوحشية والمادية ويفتقر اكثر فأكثر الى المثل والروحانية.
تلوت عليك يا عزيزي القارئ اقصوصة من واقع الحياة!!! اقصوصة غير علمية، اقتبستها من احداث مختلفة كي تتلائم ومذاقك كما اهدافي. وما كتبته لك، اردته ان يكون تلوينا او بصيصا يثلج صيفك "التموزي" بشيئ من الواقعية الهزلية والمثالية والارشاد غير المباشر. فارجوك لا تحمّل قصتي امورا اكثر من قدرتها وتدخلها في اطار البحث العلمي والتدقيق
...

Labels: