.:: Mazen Abboud's Blog ::.

Tuesday, December 22, 2009

رحلة ميلادية في براغ... بوهيميا البلور والدمى والكاتدرائيات والاساطير









الأربعاء 23 كانون الأول 2009 - السنة 77 - العدد 23911
رحلة ميلادية في براغ... بوهيميا البلور والدمى والكاتدرائيات والاساطير



طعم الميلاد في براغ غيره في بلاد أخرى. فبراغ صرح من حضارة اوروبا الوسطى والعائد اليها زائراً في عيد الميلاد يحتفل ايضاً بحريتها ويستعيد حرية بيروت الجريح.




"لا يفترنّ ايمانكم في الغد، كيف لا وقد عاينتم انواره تندلج عبر جسد يشتعل!!"

(كلمات في تشييع يان بلاخ)


هذه كلمات تضمنتها احدى اللافتات التي رفعت في براغ في السادس والعشرين من شباط 1969 ، يوم تشييع الطالب يان بالاخ الذي احرق نفسه احتجاجا في ساحة وينسسليس في ذكرى ستة اشهر على دخول جيوش حلف وارسو، بأمر من الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف، الى بلاده. وذلك بغية وقف الاصلاحات التي كان بدأها الامين العام الجديد للحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي السيد الكسندر دوبيك، والتي لم تتلاءم مع العقيدة الشيوعية السائدة في ذلك الوقت. وسيق دوبيك الى موسكو مع سائر زعماء المعارضة، وتسلّم غوستاف هوزاك المقرب من الاتحاد السوفياتي الحكم حتى العام 1989 ، تاريخ وقوع الثورة المخملية التي افضت الى بداية مرحلة جديدة لاوروبا وتشيكيا.



صبي الميلاد

اراد الصبي في الرجل الذي صرته، ان يكون احتفاله بعيد الميلاد مختلفا هذا العام. لذا، قرر الذهاب بعيدا، الى اوروبا العتيقة لسبر اغوار جمالات بوهيميا التي كان قرأ كثيرا في قصصها يوم كان في الجسد طفلا.
بوهيميا بلد البلور والقلاع والكاتدرائيات والاساطير والثلج والالعاب الخشبية والاطعمة والبيرة والناس الطيبين. واجمل ما حوته تلك البلاد هي براغ. براغ مدينة آل همبورغ التي اسستها الاميرة "ليبوسيه" الخارجة من خيال و"لا وعي" قبائل السلاف التي اقامت هناك.
وقد فاقت براغ بأهميتها حجر بوهيميا الكريم الاحمر القاتم اللون "الغرانات". فقلاعها وقصورها وشوارعها الفائقة الجمال المصممة على الطراز البروسي كانت محط انظار سكان مدائن اوروبا شرقا وغربا.
وكان الصبيّ قرأ كثيرا عن المدينة وطيور الملك هنري وتماثيله الرائعة الشاخصة منذ عقود على جسر نهر الفيلتافا. ذلك الجسر الذي جهد العرّافون طويلا لتحديد تاريخ وساعة بدء العمل فيه، كي يدوم الى الابد منذ العام 1357. نعم لقد ارتبطت براغ بالنسبة له بالاسطورة وبالتغيير في اوروبا. احبّ ربيعها وحلم به عربيا، لذا فإنه لم ينفكّ يبحث عنه في شوارع مدينته بيروت. لقد مثّلت له براغ التغيير وكسر الجدران والرتابة ، وهذا ما كان يريده حقاً.



الوصول الى براغ

كان صاحبي وصل مملكة الهمبورغ قرابة منتصف كانون الاول الجاري. فأقام في فندق ليوناردو في المدينة القديمة، على بعد خطوات من ذلك الجسر(جسر الملك هنري) الذي يختزل في ثناياه ارث المدينة التي شغلت اوروبا واضحت عاصمتها لحقبة غير قليلة (عاصمة الامبرطورية الرومانية الغربية المقدسة). اتى صاحبي المدينة التي لا يفارقها حجاج الثقافة والمدنية كي يتبرّك من ماضيها وواقعها. فاحسّ ببرد براغ يضربه عميقا ويدخله الى اعماق التاريخ بحثا عن الاسطورة والدفء. ولم يتردد الشاب المتوسطي، ومنذ الساعة الاولى لوصوله، في النزول الى ازقة عاصمة بوهيميا لمعاينة تاريخ لم ينفك يفضي هناك الى حاضر يبحث عن وصايات جديدة. فواقع بلد التشيك كان يقوم، على ما يبدو، على إبدال الوصايات بحثا عن استقرار ما في بلد يحكمه الاقوياء. وكان صاحبي مقتنعا بأن خدمة القوي المتغيّر تعطي الشعوب الاقل اقتدارا عسكريا، ارتياحا حتى لو استحالت تلك الخدمة عبودية. تأمل عميقا في احوال شعب بوهيميا التي كانت صورة عن احوال شعبه في هذا الاطار.
كان عمر، وهو شاب فلسطيني مقدسي، دليله الى معرفة المدينة وامكنتها خلال يومه الاول فيها. وعمر كان غريبا بلا وطن من والد اتى تشيكيا أيام ازمنة الشيوعية، فكان ان نقل له بعضا مما ادرك عن التشيك.



في زمن الميلاد

شكلت براغ مدينة، ليس فقط للناس بل للدمى المتحركة الخشبية المصنوعة يدويا. دمى تحرس ابواب المحال الصغيرة الموازية للازقة التي ترقبها. دمى بوهيميا كانت خصيات اسطورية تحركها الأهواء الآتية من كل اطراف الشرق والغرب الاوروبي.
وانشدَّ صاحبي الى الساحات الجميلة، المسطرة بأبراج الكنائس والقصور. كما انسحر بعبق أصوات الاجراس وفرق الانشاد الميلادي في الساحات القديمة المزينة بالاشجار الميلادية ومغاراتها الخشبية المتقنة الصنع. احسّ بأن تلك الساحات قد اخذته الى حيث لا يدري والى حيث يريد ان يكون. ساحات براغ المعطرة والمزينة باناس خرجوا من قصصها الجميلة. اناسها هم اولاد الماضي السحيق الذين كانوا في ساحاتها يعدّون لزوارها حلويات ومآكل ومفاتن بوهيميا.
لم يختلف تأثير نساء براغ عليه عن تأثيرات دماها المتحركة التي كانت تخطفه بعيدا جدا ايضا... فتراه يعجب بدمية خرجت لتوها من مجتمع دمى ساعة مبنى قصر براغ البلدي القديم. وبدمية تحركت مبتسمة من وكرها (ساعة المدينة) كي تبلغك ان الوقت يمضي. ثمّ عادت الى حيث اتت كي تدعو شياطين وملائكة محلتها لمشاركتها نقل الرسائل الزمنية الى الناس جميعاً.
ولم تغفل سماء براغ ارسال رقع بيضاء خفيفة، فلذعت الصبي رائحة الثلج والكاستناء والخمرة المسخنة، فحملته الى قصص جدته حيث الامير والاميرة والساحرة والفلاح والكاهن. فأحسّ بالخيال مجددا يحمله الى سقف منزله القرميدي حيث سجلت الاهوية والايام سجلاتها المتنوعة. ضاع الصبي في المكان والزمان، فشعر بدفء الطفولة في خضم برد براغ القارس.
نعم، كانت هذه المدينة مدينة احلامه الطفولية التي طالما حمله الخيال اليها. وراح يتأمل في كل تلك الدمى والابراج والقصور، فانتعش الطفل الذي فيه طالبا من الرجل الانحسار الى غير رجعة. توقف الزمن عنده في تلك الساعة، ورغب لو انه يرجع به الى الوراء. لمَ لا والصبي فيه طالما آمن بالبرد الذي يجمد الاشياء؟
لم يتأخر صاحبي في زيارة طفل براغ الالهي المصنوع من الشمع، والذي جلبته عروس الملك معها الى المدينة. وافاه في مقامه، وانحنى الطفل في محيا الرجل امامه طالبا اليه ان يتجمد، وشخص الطفل الالهي كان مقصد من لا يزال يؤمن في تلك المدينة المتجمدة من القرون الوسطى. شعر صاحبي بأن الرغبات تتحقق اذا ما اتت صادقة وحارة.
كانت جميلة تلك المدينة التي راحت تتغطى بقمصان بيضاء سموية. ولقد كان الاجمل فيها دفء الالحان الميلادية الخارجة من قبب الكنائس. وكان ان ولج الصبي صاحبي الى احداها كي يستمع الى عرض موسيقي ميلادي، فيطوف ايضا في عوالم شوبيرت وهاندل وموزارت وغيرهم.
شرب الصبي حتى الثمالة من خوابي براغ وحضارتها الاوروبية المسيحية. شرب من خوابيها لحنا وصورة ورائحة ومذاقا واحساسا. الا انه احسّ بالحسرة على تلك الحضارة التي راحت تتراجع. حضارة تتراجع لانّ قيمها المؤسسة اضحت في طور الغياب. فكنائس المدينة اضحت بغالبيتها متاحف ومسارح. فاوروبا اليوم اضحت ملحدة، وقد تنكّرت لارثها المسيحي.
اضحت اوروبا ملحدة وتنكرت لارثها المسيحي بعدما جار معظم رجال الكهنة، فانغمسوا في امور الحكم والسياسة على حساب الروح والدين. فكان ان ازدهرت احجار الكنائس وتهاوى ناسها. لذا أضحت أماكن العبادة متاحف ومسارح، وهذا أسوأ ما قد يحصل لها. آه منك يا جحيم فأنت مليئة بصولجانات الملوك والاحبار والكهّان على ما يبدو.



ساحة وينسسلاس

الا ان تاريخ الكنيسة في براغ واحبارها تتوج احيانا بالنضالات والقداسة، فأعدم كهنة لانهم رفضوا الانصياع الا للحق في وجه الاباطرة، كما اغتيل امراء كالامير وينسسلاس، دوق التشيك الذي قتله اخوه لانه تنصر.
وكان ان زار صاحبي ساحة الدوق وينسسلاس الذي اصطبغ قديسا بدمه، وكتب على نصبه المهيمن على الساحة بأن لن يسمح للامة التشيكية بأن تزول. ووقف صاحبي حيث يقف التشيك في لحظاتهم الصعبة. وقف ونصب الدوق وراءه وبراغ القديمة امامه. ثم تقدم الى حيث ارتمى الطالب يان بالاخ رمادا في احضان مدينته. فخرجت من عبق الرماد واللوحة الرخامية موسيقى اغنية "اموت في ذراعيك" للفنان البلجيكي ادامو. وهو كان اعدها لطالب الفلسفة التشيكي ذلك الذي احرق نفسه احتجاجا. فتأمل صاحبي في الموت والاغنية عشية الميلاد، فأيقن كيف يموت البعض بلا معنى، بينما يستشهد الاخرون في اول عمرهم لقضية ما تحيي شعبا ولو بعد سنين. نعم لقد تقهقر ليونيد برجنيف وغوستاف هوزاك، لحساب يان بالاخ والكسندر دوبيك اللذين عاشا في ضمير التشيكيين، فانتجا ثورة مخملية انهت جدارا فولاذيا قسّم اوروبا لاكثر من اربعة عقود.



العودة

حزن صاحبي جدا لمّا اقترب موعد عودته الى بيروت. فبيروت شكلت بالنسبة اليه الواقع المرير الذي صار يهرب منه. الا انّ لا جمال من دون عكسه ولا خيال بلا واقع. وبيروت كانت قدره وواقعه وحبه الاول. دخل مطار براغ وهو يردد بعض الاناشيد الميلادية، متأملا اشكال والوان اللبنانيين المتوجهين الى بيروت.





مازن عبّود


.........................................................................................................................................................................................
جميع الحقوق محفوظة - © جريدة النهار 2009

Labels: ,

Sunday, September 20, 2009

عيد الصليب حرائق ونيران على التلال وقرع اجراس







الأحد 20 أيلول 2009 - السنة 77 - العدد 23821



جريدة النهار 2009
وافى ايلول، "الشهر المفصل جهة بيان الحق عن الباطل"، والذي بحسب "بو زهر" (جارنا): "طرفه بالشتاء مبلول". شهر شكّل لأهل محلة الصبي الذي كان وقتها، موسم جردة الحساب.
هذا وقد وقع عيد مار سمعان العمودي في اليوم الاول منه، فتزامن عيد القديس المشرقي الكبير مع بداية السنة الكنسية في الروزنامة الشرقية التي مازال يتبعها همسا الكثير من قومه، جهة مواءمتها اكثر الظروف المناخية لمنطقتنا. كما انّ ايلول، بحسب جدته ايضا "عتبة الشتاء" وموسم نشر اوراق الكرمة عشية عيد الصليب لتوقع احوال اشهر السنة المقبلة مناخيا. فن لم يتقنه الا عدد قليل من ابناء تلك المحلة، فعرفوا قراءة فعل الايام على الورق وترجمتها في حسابات الازمنة.
الصبي وأيلول
اما ايلول فلقد مثّل للصبي الحلم والتغيير. وكان يتلهف ان يصعد عبر السلم الخشبي الى سطح منزل جديّه، حيث يسترخي هناك لساعات متأملا الطيور والنسور والغيم الراكض في اديم تلك السماء الصافية. لقد شكل كل ذلك بالنسبة اليه مشهدية رائعة فاقت قدرة استيعابه للامور. ولطالما خاطب ذلك الصغير سنونوات ايلول ونسورها من حوله، قائلا: "الى اين تذهبين يا مباركة؟ ولماذا تغادرين الان؟ لم لا تشهدين لربك عندنا؟ قولي لي لماذا تفارقين محلتنا في ايلول؟ اخوفا من الشتاء والعواصف، لتصعدي الى السماوات حيث من خلقك؟ علّك تصعدين الى هناك تماما كما صعد يسوع بمجد عظيم، ام كما صعدت نفوس بعض الاحباء كجدتي الاخرى مثلا!". وكانت السنونوات لا تجيب الصغير بل تسكب من حوله دمعا وتطير فوقه كي تلامس طيفه. ربما شاءت ان تقول له وداعا! لقد كان صمتها ابلغ من اي كلام سمعه، وحركتها اشدّ ايماء وتأثيرا في مكنوناته من اي قطعة مسرحية. وهو عندما كان يكلمها، كان يغفل حركة النسور التي قيل له انها تحمل الارواح الى القمم التي شكل "الشير" احداها. وكانت السنونو تستعرض فيالقها عادة بعد كل عيد صليب مودعة الصيف ومعلنة وقت الحساب. لقد احبّ صاحبي صفاء الاديم من صغره، وكان ينخطف الى اللا مكان واللا زمان. الا انه كان يعود الى حيث هو على نغمات صوت "بو عوض" مغنيا الميجنا، على ايقاع ضرب الاخشاب استعداداً للشتاء. كما كان هدير صوت "اماند" التي اكتسبت لقب "ام كلثوم" ينشّطه، وكانت تغني "يا ظالمني" واغاني العرس من التراث الشعبي.الا انّ اغاني "اماندا" لم تكن دائماً صافية، اذ تتخللها احيانا سلسلة من سباب تتلوه علانية على اولاد بناتها الذين كانوا يواكبونها في ايقاد النار لصنع معجون البندورة. اما جده واخو جده فكانا منهمكين بحصاد عسل النحل الذي كان يقيم في اجرار مصنوعة من الفخار، تكسر في مثل هذا الموسم بعد ان يتم تبخيرها بدخان مخدر. ولكم دهش بأقنعتهما وثيابهما التي كانت تصنع خصيصا للمناسبة. وكان اذا ما ادرك السنونو في عمق السماء عرف ان موسم الدراسة قد وافى، فيروح يستعد لشراء كتبه استعدادا لفصل الفلاح. الا انّ نهاية السمر لم تكن تقفل عادة الا بعد عشرات الايام من مجيء عيد الصليب.
"بنو عكر" والنهب غير المستدام
ولكم انتظر انتصاف ايلول كي يحلّ عيد الصليب، فتضرم النيران على التلال وتقرع الاجراس. عادة لم يقلع عنها اهل محلته، منذ ان وجدت الملكة هيلانة عود الصليب في اورشليم القدس. فأمرت ام الامبراطور يومها كل رعاياها ايقاد النيران تباعا لايصال الخبر الى الامبراطور القابع في عاصمته-روما الجديدة(القسطنطينية). وكانت النيران ودخانها في تلك الازمنة الوسيلة الاسرع والافضل لنقل الخبر السار.هذا وكان اضرام النيران من مهام الاولاد الكبار، او "امراء" الصبيان. وقد كانوا يتبارون على صنع "الحريقة" الاكبر. ومن اجل ذلك كانوا يكدّون في جمع ما توفر لهم من مواد خشبية قابلة للاشتعال، خلال اشهر الصيف. ومهام جمع الحطب كانت تترافق مع مهام اخرى كحفظها من الاشتعال عبر ترطيبها يوميا بالمياه لوقايتها من حرارة الشمس الحرّاقة في ذلك الفصل، وحراستها من عصابات الصبيان السيئين الذين كانوا يغزون "غلة" غيرهم، او يحرقونها ببساطة في حال تعذّر سرقتها مثلا. وكانت مهمة حراسة الاخشاب من مهام الصغار الذين زودوا بالصفارات لابلاغ "امراء" الصبيان عند حدوث اي اعتداء.ولقد كان "بنو عكر" الاعداء الاكثر شراسة في هذا المضمار، كما الاكثر قدرة وايذاء. فلقد حسبهم الصبي انهم من بقايا "آل سيفا" الذين كانوا من أعداء الامير فخر الدين المعني الكبير والامارة اللبنانية، لذا فانه لم يتوان مرة عن مهاجمتهم كلاميا جهارا او سرا. ويعتقد بأنّ اعمال "بني عكر" كانت تتم بتشجيع واشراف مباشر من والدهم الذي علّمهم فنون مواجهة الحياة لكسب العيش. هذا ولقد مثّل الكهل الضخم لعائلته الكبيرة رمزا من رموز الظلمة والظلامة، اذ انه انتمى الى عائلة منافسة.الا انّ "بني عكر" فاتهم ان يتعلموا من الوالد المؤسّس طرائق النهب المستدام بغية الحفاظ على المصادر. ولكم شغلت تلك الواقعة بال الوالد القديم والمتمرس. ويحكى انه انهال مرة ضربا موجعا على ابنائه، لدى مراجعة "نسيب" له بموضوع سرقة اولاده وتكسيرهم أشجار الكرز خاصته. وكان ان عاقب "عكر" ابناءه بقساوة يومها، وبحضور الشاكي، قائلا لهم: "يا اولاد الجهل والبغاء والسوء، اني قد استدعيتكم اليوم لمعاقبتكم. نعم اني العنكم بحضور عمكم "نسيب" المعتدى على شجيراته من قبلكم، يا شياطين. لكن لا يظنن احد منكم يا ملاعين اني اعاقبه لسرقة شجرات الكرز بل لكسر اغصانها حصرا. يا اولاد الافاعي، الا فادركوا انكم اذا ما كسرتم اغصان الشجر، لن يعود في امكانكم مستقبلا سرقة الثمار مجددا. الا فادخلوا يا مرائين الى "قبو الواوية" حيث الظلمة والعويل والصراخ، علكم بذلك تتأدبوا وتدركوا معاني "النهب المستدام للمصادر"!". وعلى ما يبدو فان ابناء "عكر"، الذين ما تعلموا من خبرة والدهم، قد حكموا بغالبيتهم البلد، فافقروه. ومازلت مع مجيء كل ايلول اتذكر تلك الواقعة واضحك باكيا على بلدي مستذكرا احداث طفولتي.
ذكريات أيلولية
الا انّ ذكريات ايلول التي هيّمن عليها "بنو عكر"، لم تكن كلها بهذه البلاغة والدلالة الحياتية. اذ انّ بعضها كان رومانسيا اجمالا، ومع الرحيل بوجه الخصوص. فما زال الصبي يذكر كيف رحلت عائلة عمه فجر يوم من ايلول الى اوستراليا، وقد اودعه ابن عمه عدته المؤلفة من منجل حديد صغير وبضع الحاجيات، كما كلبه وهرّه "نميص". وقد اوصاه ذاك المسافر الصغير متابعة مسيرة "الشيطنة" في المدرسة والمحلة وكل مكان، اذ انه لم يكن جائزا ان يكون الصبية غير ذلك. كم بكى الصبي في ذلك اليوم، ولكم جرى وراء سيارة والده التي حمّلت اقاربه الى مطار بيروت الدولي في العاصمة حيث الموت والعنف والحروب.ثمّ انّ اول لقاء له مع الموت كان في ايلول ايضا. اذ غيّب ذلك الشهر، وبعد سنوات من رحيل اولاد عمه، شاعرا، سمع عنه من جدته انه كان عظيما جدا. فعرف حينها ان الشعراء يموتون ايضا كجميع المخلوقات. وقد حزن كثيرا لفقدان صاحب له كبره سنا وقيمة. والشاعر "توفيق" كان زوج ابنة عم جده، وقد رحل صبيحة يوم بعدما تزوّد من مياه نبع "عكفل"، وقد همّ يومها بوداع الصيف والعودة الى بيروت. فكان ان شرب واستلقى على تلك العين مودعا دنيانا، بسلام. كما مثّل له ايلول اموراً اخرى. فلقد تعطر بذكريات قداس تعودت فرقته الكشفية على احيائه عند سفح جبل "الشير" المطل على بلدته المترامية في سهل حرسته الجبال الاربعة. والقداس كان يرفع كل سنة عند كل عيد صليب، فيقام على نية المغتربين الذين غادروا ارضهم الى عوالم اخرى بحثا عن ارزاقهم. وكان يقام القداس هناك لانّ ذاك الشير كان يضرب على البحر الذي حمل مراكب من رحلوا ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر الى مرسيليا، فالاميركيتين حيث تكبدوا الغربة والعذاب والفقر والقهر، وذلك كي يكللوا غيابهم ببناء حارات قرميد ارادوها شواهد على نجاحاتهم في دنيا الاغتراب.احبّ ذلك الموقع الذي حظي برمزية خاصة عند جده ورفاقه من المغتربين على شاكلة "جرجي الخواجا" من حارة العين، الذي ادار سريره حيث كان، لجهة "الشير" (كما في طفولته). كما حوت صخور ذلك المكان اسماء بنات كان يتبارى اصدقاء جده على تسجيلها هناك، مبلغين النسور عن مكنونات انفسهم وعشقهم وآمالهم واحلامهم المتواضعة، حتى انّ احدهم قد اوصى ان يؤتى برماده من العالم الاخر ويرمى به من هناك كي تحمله الريح الى حيث تشاء فيعشش في قرميد بلدته الى المنتهى.
***
ايلول، شهر يوقظ فينا الحنين... ايلول، ايا شهر يربك ويرفع ويعلّم ان العمر غفلة والخريف سيضحي يوما على الابواب. ايلول، لمَ تأتي؟ ارجو منك دعني في سكرتي، لانّ من مثلي يحزن اذا ما استفاق وادرك حقيقته!! ليتني كنت نسرا من نسورك او نجمة من نجومك! وها انت تعود...تعود وحيدا من دون "بهيجة" التي احببت طلتها، و"سلوى" التي عشقت قهوتها و"سارة" التي طالما سررت بحكمتها. لقد ملأت قلبي حنينا وحبا وخوفاً وخيالات... مازن عبود

Labels:

Friday, August 14, 2009

"خمر الانجيل" هو العرق لا النبيذ!

الجمعة 14 آب 2009 - السنة 77 - العدد 23785
"خمر الانجيل" هو العرق لا النبيذ!
© جريدة النهار 2009
بلهفة، أقرأ القاص مازن عبود، الذي لا أعرفه الاّ من سحر الحبر، الموزون الفكر، المعجون بخمير جبل لبنان، المنتشي بخموره الازلية، التي عناها السيد المسيح "لن أشرب بعد اليوم من عصير الكرمة هذه، الاّ جديدة في الملكوت".احصر البحث بمقال له في "النهار" (19 تموز 2009) بعنوان "الخوري جرجس فضّل العرق على النبيذ في القداس".البلدة، هي دوما العريقة باسمها الفينيقي، أي "السكون والهدوء والراحة" (أنيس فريحة، "معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية").جاء فيه: "وأضاف العم نقولا: الخوري جرجس كان بسيطاً وورعاً على طريقته، كما كان محدثاً في كنيسته، وعنيداً في ما يعتقد انه حق. لقد اشتهر خورينا المحبوب باستعمال العرق كبديل عن النبيذ في القداديس ومراسم الزواج، كما بخفة دمه وأفكاره وضروبه الاستثنائية.الخطوات التقدمية للخوري أثارت حساسية مطرانه الذي طلبه الى بيروت، مستوضحاً اسباب خروجه عن القواعد. فكان ان عزا البونا جرجس استبدال النبيذ بالعرق، الى مفاضلة السيد المسيح طعم العرق على النبيذ طالما ان كل تلك المشروبات هي من نتاج الكرمة"."نقفّي" كأس العرق، مع روح الخوري جرجس، ونؤكد معه ان المشروب الروحي "الخمر"، الذي يذكره الانجيل، من دون تحديد فيما اذا كان عرقاً أم نبيذاً، هو العرق وليس النبيذ، بالدليل القاطع الوارد في جواب السيد المسيح، على سائليه: "من هو قريبي؟" فقال لهم "رجل ما، كان نازلاً من اورشليم الى اريحا، فوقع عليه اللصوص، وعرّوه وضربوه وانصرفوا، وقد تركوه بين حي وميت. واتفق ان كاهناً ما، كان منحدراً من ذاك الطريق، فرآه ومر، وكذلك لاويّ بذاك المكان فرآه وعبر، وان سامرياً كان ماراً حيث كان ذاك، فرآه فرحمه. فدنا وضمّد جراحه، وصبّ عليها زيتاً وخمراً...".ان الخمر الذي يصب على الجراح لتطهر، هو العرق وليس النبيذ. وهذا ثابت الى أيامنا هذه، في الحالات والمستشفيات كلها. ولا يصلح النبيذ لهذا الامر. وهو مضرّ اذا صبّ على الجراح. وترى الكهنة في القداس يمزجون النبيذ بالماء، إتباعاً للقاعدة التي كانت تحصل، يوم كانوا يستعملون العرق، فيمزجونه بالماء. على ما هي الاصول في شرب العرق. أما النبيذ فلا يمزج بالماء.من عقود، وأنا أفسّر عصير العنقود، الذي يسميه الانجيل خمراً، بأنه العرق وليس النبيذ، استناداً الى تطهر الجراح، الوارد في الانجيل. فأغناني الصديق المرحوم نجيب جمال الدين، الكبير بين المحامين، وشاعر المجلّين من جلاله بعلبك، بالجواب السديد: "أعجوبة السيد المسيح في قانا الجليل، هي تحويل الماء الى العرق. ولو حوّله الى نبيذ، فليس في الامر آية!".سلمت أيها الاديب مازن عبود... ونرفع كاس العرق المقدّس.
المحامي مطانيوس عيد

Labels: